حسن عيسى الحكيم

158

المفصل في تاريخ النجف الأشرف

الصغرى موقعا في أحداث التاريخ الإسلامي إذ بقي شاخصا إلى العصر العباسي الثاني ، ففي عام 12 ه ، دخل خالد بن الوليد دير هند بعد تحريره لمدينة الحيرة والتقى بهند وقال لها : أسلمي حتى أزوّجك رجلا شريفا من المسلمين . فقالت : أما الدين فلا رغبة لي عن ديني ولا أبغي به بديلا ، وأما التزويج فلو كانت فيّ بقية لما رغبت فيه فكيف وأنا عجوز هامة اليوم أو غد . ثم قال لها : سليني حاجة . قالت : هؤلاء النصارى الذين في أيديكم تحفظونهم . قال : هذا فرض علينا وقد أوصانا به نبيّنا ( صلّى اللّه عليه وآله وسلم ) . ثم قالت : مالي حاجة غير هذه ، أنا ساكنة في دير بنيته ملاصق هذه الأعظم البالية من أهلي حتى ألحق بهم . وبعد أن أتمّت هند حديثها ، أمر لها خالد بن الوليد بمعونة وكسوة . فقالت : ما لي بشيء من هذا حاجة . لي عبدان يزرعان مزرعة لي أتقوّت بما يخرج منها ويمسك الرمق ، وقد اعتددت بقولك فعلا وبعرضك نقدا . فاسمع دعاء أدعو لك به كنا ندعو به لأملاكنا : شكرت لك يد افتقرت بعد غنى ولا وصلتك يد استغنت بعد فقر ، وأصاب اللّه بمعروفك مواضعه ولا أزال عن كريم نعمة إلا وجعلك سببا لردّها إليه « 1 » . ثم قال لها خالد : أخبريني بشيء أدركت ، فقالت : ما طلعت الشمس بين الخورنق والسدير إلا عليما هو تحت حكمنا ، فما أمسى المساء حتى صرنا خولا لغيرنا . ثم أنشأت تقول « 2 » : صان لي ذمّتي وأكرم وجهي * إنما يكرم الكريم الكريم ويبدو أن ( دير هند الصغرى ) أصبح مقصد الولاة والقادة وأن هندا قد أطال اللّه عمرها بحيث أنها التقت بشخصيات لها مواقع في الدولة العربية الإسلامية . فأثناء مروره بالحيرة ، نظر زياد بن أبيه إلى دير . فقال لخادمه : لمن هذا ؟ فقال له : هذا دير حرقة بنت النعمان بن المنذر . فقال : ميلوا بنا السير . فوقف على باب الدير وسمع هندا من وراء

--> ( 1 ) ياقوت : معجم البلدان 2 / 541 - 542 ، البكري : معجم ما استعجم 2 / 604 ، الرقيق النديم : قطب السرور ص 6 . ( 2 ) ياقوت : معجم البلدان 2 / 542 .